ابن ميثم البحراني
272
شرح نهج البلاغة
في الشريعة ، وقد سلَّط التأويل عليها بعض من تحذلق فقال : أمّا الفحص عن الأعمال فيرجع إلى إحاطة اللوح المحفوظ بها وظهورها للنفس عند مفارقتها للبدن أو إلى انتقاش النفوس بها كما تقدّم شرحه كقوله تعالى « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً » ( 1 ) الآية ، وأمّا ظهور الزلزال فيحتمل أن يريد التغيّر الَّذي لا بدّ منه والاضطراب العارض للبدن عند مفارقة النفس والتشويش لها أيضا على ما تقدّم من الإشارة إلى أنّ الدنيا هي مقبرة النفوس وأجداثها ، وأمّا مشيب الأطفال فكثيرا ما يكنّى بذلك عن غاية الشدّة يقال هذا أمر تشيب فيه النواصي وتهرم فيه الأطفال إذا كان صعبا . ولا أصعب على النفس من حال المفارقة وما بعدها . ثمّ عقّب بالتحذير من المعاصي بالتنبيه على الرصد القريب الملازم ، وأشار بالرصد إلى الجوارح كما قال تعالى « يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » ( 2 ) وقوله « وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا » ( 3 ) الآية ، والشهادة هنا بلسان الحال والنطق به فإنّ كلّ عضو لمّا كان مباشرا لفعل من الأفعال كان حضور ذلك العضو وما صدر عنه في علم اللَّه تعالى بمنزلة الشهادة القوليّة بين يديه وأكَّد في الدلالة ، وأشار بحفّاظ الصدق إلى الكرام الكاتبين ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في الخطبة الأولى ، وظاهر كونهم لا يستر منهم ساتر . ثمّ بالتحذير بقرب غد ، وكنّى به عن وقت الموت . ثمّ ببلوغ منزل الواحدة ، وكنّى به عن القبر ، ووصفه بالأوصاف الموحشة المنفّرة المستلزمة للعمل لحلوله ولما بعده . ثمّ بالصيحة وهي الصيحة الثانية إن كانت إلَّا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ، والنفخة الثانية ونفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون . ثمّ بالقيامة الكبرى والبروز لفصل القضاء وهو حال استحقاق كلّ نفس ما لا بدّ لها منه من دوام عذاب أو دوام نعيم بحكم القضاء الإلهيّ ، وذلك بعد زوال الهيئات الباطلة الممكنة الزوال من النفوس الَّتي لها استكمال ما ولحوقها بعالمها واضمحلال العلل الباطلة للنفوس واستحقاق الحقائق بالخلق ورجوع كلّ امرئ إلى ثمرة ما قدّم . ثمّ عاد إلى الموعظة الجامعة
--> ( 1 ) 3 - 28 ( 2 ) 24 - 24 ( 3 ) 41 - 20 .